مراقبة المشهد دون الرغبة في التعليق !

في تلك القاعة التي شهدت الكثير، جلسوا معًا وكأن الصمت هو اللغة الوحيدة التي يفهمونها جميعًا اليوم. لحظات ثقيلة، لكنها تحمل في طياتها راحة خفية. لم يكن المكان غريبًا، فقد مروا به مرات لا تحصى، لكنه اليوم بدا مختلفًا، وكأنهم يقفون عند مفترق الطرق، حيث يشعرون بشيء عميق يتغير دون أن يحتاجوا للكلمات لتفسيره. الأحاديث الجانبية والضحكات التي كانوا يلقونها بين الحين والآخر بدت وكأنها محاولات لتخفيف ثقل اللحظة، لحظة لا تشبه ما مضى. البعض منهم كان يمزح ويضحك، لكنه ضحك لا يخفى وراءه سوى محاولة لتفادي التفكير في انتهاء رحلة كانوا يسيرون فيها منذ زمن. هؤلاء يعرفون، دون اعتراف صريح، أن الأيام الماضية رغم صعوباتها كانت مليئة بالمعنى، مليئة بالتحديات التي جعلتهم ما هم عليه الآن. كل ضحكة كانت ربما هروبًا من الإدراك بأن الزمن الذي عرفوه طوال تلك السنوات قد اقترب من نهايته.
في زاوية أخرى، جلس البعضَ بصمت عميق. لا حاجة للكلمات هنا، فالتأمل في الوجوه التي ألفوها، وفي المكان الذي أصبح جزءًا من ذاكرتهم، يكفي ليحكي القصة. كانوا يسترجعون في أذهانهم اللحظات التي مرت دون أن يعطوها الاهتمام الكافي حينها، وكأنهم يعيدون ترتيب المشهد الأخير في ذاكرتهم قبل أن ينتهي. الهدوء الذي خيم عليهم لم يكن حزنًا، بل نوعًا من الرضا بما مضى، تأملاً يعبر عن مرحلة عاشوها بكل تفاصيلها. اما البعض الآخر، فلم يكن لديهم شعور محدد يعبرون عنه. لم يكن هناك اندفاع في التفكير، ولا ثقل في القلب. كانوا يتابعون ما يحدث حولهم بتلقائية، وكأنهم يعرفون أن هذه اللحظة،
مثل كل اللحظات التي سبقتها، ستمضَي, لَيس هناك شعور مفرط بالبهجة أو الحزن، فقط القبول بأن الحياة تسير كما هي، وأن كل شيءَ يَأَخِدُ وقته الطبيعي
وفي النهاية، كان هناك من جلسوا بثقة تملأ وجوههم؛ بهدوء من يعرف أن لكل شيء وقته. لم يكن في عيونهم تردد ولا ارتباك، بل سلام داخلي ينبع من إيمان بأنهم يسيرون في الطريق الصحيح. هؤلاء لم يكن يحتاجون إلى كثير من الكلمات، فقد كانوا مطمئنين بأن ما عاشوه قد صقلهم بما يكفي ليمضي كل شيء كما ينبغي. كانوا يرون في هذه اللحظة ختامًا لمسار مضى، وبداية لشيء جديد ينبثق بهدوء. اليوم كان يومًا مميزًا ليس لأنه نهاية لمرحلة، بل لأنه جمعهم بطريقة نادرة، وفتح أمامهم نافذة على أنفسهم كما لم يفعل من قبل. تلك المشاريع التي عملوا عليها، الساعات التي قضوها في التفكير والعمل، كلها كانت جزءًا من هذه اللحظة. لم يعد الأمر مجرد معلومات ودروس، بل أصبح ما عاشوه خلال تلك السنوات أشبه بنظام داخلي غير مرئي، يصيغ طريقة تفكيرهم وتفاعلهم مع العالم من حولهم. وفي هذا اليوم، بينما كانوا يستعدون للخطوة التالية، أدرك كل منهم أن ما عاشوه لم يكن مجرد تعليم، بل كان رحلة عميقة جعلتهم يدركون الكثير عن أنفسهم وعن العالم.